زقورة أور العظيمة
الموقع والنظرة العامة
على بُعد نحو أربعين كيلومترًا غرب مدينة الناصرية في محافظة ذي قار، وعلى مسافة ثلاثمائة وأربعين كيلومترًا جنوب بغداد، يقف أحد أعظم المشاهد التي أبدعتها يدا الإنسان على وجه الأرض: زقورة أور العظيمة. إنها هرمٌ مدرّج شامخ يطوّقه الصمت الصحراوي من كل جانب، مُنتصبًا في السهل كما لو أن الزمن نفسه احترم هذا الصرح فلم يُفنِه. تمتد قاعدتها المستطيلة نحو أربعة وستين مترًا طولًا وخمسة وأربعين مترًا عرضًا، وبلغ ارتفاعها الأصلي ما يزيد على ثلاثين مترًا، لتكون أعلى نقطة في المدينة بأسرها ومنارةً تُرى من مسافات شاسعة.
يُعدّ هذا الموقع اليوم من أفضل الزقورات المحفوظة في منطقة الشرق الأدنى القديم بأسرها، ومن أبرز المعالم الأثرية على سطح الكرة الأرضية. الاسم السومري للزقورة إيتيمين نيغورو — ومعناه "البيت الذي تُرعب أُسسه" — يُشير إلى الهيبة المقدسة التي استدعاها هذا المعبد في نفوس أبناء حضارة سومر منذ فجر التاريخ.
التاريخ والعمارة
شيّد زقورة أور الملك العظيم أور-نمو، مؤسس سلالة أور الثالثة، في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد تقريبًا، وأهداها إلى إله القمر نانا، الراعي الإلهي لمدينة أور. أُكمل البناء في عهد خلفه الملك شولجي، الذي مدّد حكمه ثمانية وأربعين عامًا وجعل من أور عاصمة إمبراطورية تمتد على معظم أرض بلاد الرافدين.
تتشكّل الزقورة من نواة ضخمة من الطوب اللبن يكسوها من الخارج طوبٌ مفخور مثبّت بالقار الطبيعي. وقد أبدع المهندسون السومريون في تصميم فتحات "عيون البكاء" عبر الواجهة للسماح لرطوبة الداخل بالتبخر، فضلًا عن مجاري صرف لاستيعاب مياه الأمطار الشتوية؛ وهي تقنيات تكشف عن عقلية هندسية متقدمة متفردة في عصرها. في القرن السادس قبل الميلاد، جاء الملك نبونيد، آخر ملوك الإمبراطورية البابلية الجديدة، ليُعيد بناءها من سبعة طوابق بدلًا من ثلاثة. وفي العقد الثامن من القرن الماضي، أُعيد تشييد الواجهة السفلى والسلّم الضخم، بينما نُقشت الطوابير الحديثة من الطوب بعلامات مميزة تُتيح للباحثين التمييز الدقيق بين الأصيل والمُستجدّ.
الأهمية الدينية والإبراهيمية
لم تكن زقورة أور مجرد معبد للعبادة، بل كانت قلب منظومة إدارية ودينية متكاملة تشمل أفنية ومستودعات ومقدسات. كانت المركز الذي يُحضر إليه المزارعون غلّتهم، ويتسلّمون منه حصصهم الغذائية، في تجسيد حي لوحدة الروحي والمادي في الحضارة السومرية.
وعلى مقربة من الزقورة، تقع بيت إبراهيم الخليل عليه السلام — المكان الذي تُشير إليه التقاليد الدينية والأبحاث الأثرية على حدٍّ سواء باعتباره المهد الأول للنبي أبي الأنبياء قبل رحيله إلى أرض كنعان. يجعل هذا الجوار المكانَ مزارًا يأتيه المسلمون والمسيحيون واليهود من أصقاع الدنيا، إذ يُعدّ إبراهيم عليه السلام جامعةً روحية تربط الديانات الإبراهيمية الثلاث. وفي آذار 2021، شرّف البابا فرنسيس هذه البقعة بزيارة تاريخية — أولى زياراته خارج الفاتيكان منذ جائحة كوفيد، والأولى من نوعها لحبر أعظم إلى العراق — حيث أقام لقاءً للصلاة بين الأديان استقطب أنظار العالم أجمع.
المقبرة الملكية وكنوز المدينة
تمتد حول الزقورة بقايا المدينة القديمة التي كانت يومًا من الأيام من أكبر مدن العالم وأكثرها ازدهارًا. في عشرينيات القرن الماضي، كشف عالم الآثار السير ليونارد وولي في حفرياته الشهيرة عن المقبرة الملكية لأور، فأطلّ العالم على كنوز لا تقدّر: القيثارة الذهبية المُزخرفة بثور لازورد، والمجوهرات الذهبية الفاخرة، وقطع الصدف المُرصَّع، وقوارير اللازورد البديعة. وهذه الكنوز اليوم موزّعة بين متحف بغداد ومتحف البنسلفانيا ومتحف بريطانيا.
ومن أبرز ما في المدينة كذلك معبد إيدوبلاماح الذي يحتضن أحد أقدم الأقواس المعمارية في تاريخ الإنسانية، فضلًا عن نصوص مسمارية محفورة في الطوب تُذهل من يراها. ولا تزال الأبحاث الأثرية تكشف أن ما لا يقل عن ثمانين بالمائة من المدينة لم يُنقَّب بعد، مما يعني أن ما انتُشل من الأعماق ليس سوى قطرة من بحر ما تُخفيه الرمال.
التجربة والزيارة العملية
يُقبل الزائرون على أور في كل يوم من أيام الأسبوع، من السادسة صباحًا حتى السادسة مساءً. لا يحتاج الإنسان إلى الحفاظ على مسافة من العجيب؛ بل يستطيع الاقتراب من جدران الزقورة وأن يضع راحته عليها، فيحس بين أصابعه ملمس الطوب المحروق الذي يفصله عن يدي من بناه مجرد أربعة آلاف سنة. مدينة أور السياحية المجاورة توفر مرافق حديثة، ومراكز ثقافية، وخدمات استقبال، مما يجعل الرحلة تجربة متكاملة ومريحة.
يُنصح بارتداء ملابس خفيفة في أشهر الصيف ذات الحرارة الشديدة، واصطحاب المظلة والماء. فصل الربيع وأوائل الخريف هما الموسمان الأنسب للزيارة. وحين تقف أمام هذا الصرح الأبدي في لحظة الغروب، وتنساب أشعة الشمس الذهبية على وجوه طوبه المحروق المتراصة منذ فجر الحضارة، لا تملك إلا أن تتوقف وتتساءل: كم رأت هذه الأحجار، وكم ستزيد من رؤية؟
إيتيمين نيغورو
شُيّدت الزقورة حوالي عام 2100 قبل الميلاد تكريمًا للإله القمر نانا، راعي مدينة أور الإلهي. كانت أعلى نقطة في المدينة بفارق كبير، وقد أُقيمت فوق قمتها هيكلٌ مقدس تُجرى فيه الطقوس ويرصد الكهنة من أعلاه حركة النجوم في سماء سومر.
عبقرية أور-نمو
أمر الملك أور-نمو ببنائها من ملايين قطع الطوب اللبن المُغلّف بطوب مفخور، مع فتحات تهوية ومجاري صرف مُدمجة في الهيكل تكشف عن عبقرية هندسية متقدمة قبل أربعة آلاف عام. احتاجت المرحلة الأولى وحدها إلى أكثر من سبعمائة وعشرين ألف قطعة طوب مفخور.
أرض إبراهيم الخليل
تُعرَّف أور في التراث الديني باعتبارها المسقط الأول للنبي إبراهيم عليه السلام، مما يجعلها وجهة حج روحي لملايين المسلمين والمسيحيين واليهود حول العالم. في عام 2021، توّج البابا فرنسيس هذا البُعد الروحي بزيارة تاريخية غير مسبوقة أقام فيها لقاء إبراهيميًا للصلاة المشتركة.
المقبرة الملكية
كشف سير ليونارد وولي في حفرياته عن مقبرة ملكية تضم قيثارة ذهبية فريدة ومجوهرات بالغة الأناقة، مما أثبت للعالم مدى رقي الحضارة السومرية وثرائها. ولا يزال ما يزيد على ثمانين بالمائة من المدينة دفينًا تحت الرمال في انتظار من يُميط عنه اللثام.
شاهد على أربعة آلاف عام
صمدت الزقورة أمام حملات الغزو وتقلبات الطقس وعبث الزمن على مدار أربعة آلاف سنة، لتُعدّ اليوم من أكثر زقورات بلاد الرافدين القديمة سلامةً وحفظًا. الطبقات المتراكمة في بنيانها تحكي ثلاثة آلاف سنة من التشييد والترميم والتعمير المتواصل.