جامع الملوية الكبير – سامراء

مئذنة حلزونية تحدّت الزمن

الموقع والنظرة العامة

على الضفة الغربية لنهر دجلة، على بُعد نحو 125 كيلومتراً شمال بغداد، تنتصب مئذنة الملوية كأيقونة معمارية لا تُضاهى في سماء سامراء. تنتمي هذه المئذنة الحلزونية إلى المجمع الأثري لجامع المتوكل الكبير، الذي يُعرف بـ"جامع الملوية" نسبةً إلى مئذنته الشهيرة ذات الشكل اللولبي. وتقع سامراء في محافظة صلاح الدين، وقد كانت في القرن التاسع الميلادي عاصمةً ثانيةً للخلافة العباسية، تمتد أطرافها من تونس غرباً إلى وسط آسيا شرقاً.

لا يزال اسم "سامراء" يحمل في طياته معناه العربي العريق: "سُرَّ مَن رأى" — أي ابتهج كلُّ من أبصرها. وحين تقع عيناك على المئذنة الملتوية وهي تشقّ الأفق بخطوطها الحلزونية المتصاعدة، يتجلّى لك سرّ هذه التسمية بكل وضوح.

تاريخ الجامع وعصر البناء

أمر الخليفة العباسي المتوكل على الله بتشييد هذا الجامع عام 848م، وأُتمّ بناؤه عام 851م على يد أمهر المعماريين والفنانين الذين استقدمهم من أرجاء الإمبراطورية الواسعة. كان الجامع حين اكتمل أضخم مسجد في العالم بأسره، وكان قادراً على استيعاب ما يزيد على 80,000 مصلٍّ في أروقته السبع عشرة وصحنه الفسيح. غطّت جدرانه فسيفساء من الزجاج الأزرق الداكن، وزيّنت أعمدةُ الرخام المستوردة مداخله الشامخة، في مشهد بالغ الأناقة والهيبة.

شيّدت المئذنة من الطوب المحروق في الفترة بين 848 و852م، ولا تزال قائمةً حتى اليوم دليلاً على بُعد نظر المهندسين العباسيين وإبداعهم. أما الجامع نفسه، فقد هدمه المغول عام 1258م بقيادة هولاكو خان حفيد جنكيز خان إبان حملته التدميرية على بلاد الرافدين. ومن المجمع الشاسع الذي كان يمتد على مساحة 38,000 متر مربع لم يتبقَّ سوى السور الخارجي ومئذنة الملوية التي نجت وحدها من عبث الزمن.

المئذنة الحلزونية – معجزة هندسية

تبلغ مئذنة الملوية ارتفاعاً قدره 52 متراً، وتمتد قاعدتها المربعة على عرض 33 متراً. يلتفّ المنحدر الحلزوني حولها في اتجاه عكس عقارب الساعة في خمس طبقات متصاعدة، لينتهي بغرفة دائرية في القمة تتوّجها ثمانية أقواس مدببة. كانت المئذنة في الأصل متصلة بالجامع عبر جسر خاص، ومن ذروتها كان المؤذن يُطلق نداء الصلاة الخمس خمس مرات في اليوم، فيتردد صداه في أرجاء المدينة وسهولها البعيدة.

يرى بعض المؤرخين أن التصميم الحلزوني مستوحى من معابد الزقورات المدرّجة التي أقامتها حضارات بلاد الرافدين القديمة، في حين يُرجعه آخرون إلى تصورات رمزية تجسّد صعود المؤمن نحو السماء. وقد اشتُقّت تصاميم معمارية إسلامية لاحقة من نموذج سامراء، أبرزها جامع ابن طولون في القاهرة الذي يعكس روح المئذنة الملوية في تصميمه وفضائه المفتوح.

الأهمية الحضارية والتراث العالمي

في عام 2007م، أدرجت منظمة اليونسكو مدينة سامراء الأثرية ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، معترفةً بما تنطوي عليه المئذنة وسائر آثار المدينة من قيمة إنسانية استثنائية. ولا تزال سامراء العاصمة الإسلامية الوحيدة المحفوظة التي احتفظت بمخططها العمراني الأصلي وفنونها المعمارية من مواسير الجص وزخارف الفسيفساء. وتضم المدينة أيضاً جامع أبي دلف ذا المئذنة الحلزونية المشابهة، مما يجعل سامراء مرجعاً فريداً لدراسة الفن المعماري العباسي في أوج ازدهاره.

وتشير التقديرات إلى أن 80% من الموقع الأثري لم يُنقَّب عنه بعد، ما يعني أن أرض سامراء لا تزال تخفي في أحشائها أسراراً وكنوزاً لم يكشف عنها علم الآثار.

تجربة الزيارة

يستطيع الزوار اليوم تسلّق مئذنة الملوية عبر المنحدر الخارجي وصولاً إلى قمتها، حيث تنكشف أمامهم بانوراما خلابة لسامراء وسهول بلاد الرافدين الممتدة حتى الأفق. والجدير بالذكر أن الحديدة الواقية موجودة على الجانب الداخلي فحسب، مما يمنح التسلّق إحساساً حقيقياً بالارتفاع يستدعي الحيطة والانتباه. أما أفضل أوقات الزيارة، فهي خلال فصلي الربيع والخريف، حين تكون درجات الحرارة معتدلة. وتقع المئذنة على بُعد نحو ساعتين بالسيارة شمال بغداد، ويمكن الوصول إليها في رحلة يومية مريحة من العاصمة.

زيارة لا تُنسى

مئذنة الملوية ليست مجرد أثر يُزار؛ إنها رسالة معمارية باقية من أعظم إمبراطوريات التاريخ. وحين تقف عند سفحها وترفع بصرك إلى حلقاتها المتصاعدة نحو السماء، ستشعر بامتداد الحضارة الإسلامية في عظمتها وطموحها. كما أن منطقة سامراء تضم عدداً من المزارات الدينية الشيعية المهمة بالقرب من المئذنة، مما يُتيح للزوار جمع تجربة أثرية وروحية في آن واحد.

أيقونة معمارية

المئذنة الحلزونية الفريدة

تتميز مئذنة الملوية بتصميمها الحلزوني اللولبي الذي لا نظير له في العالم الإسلامي، إذ يلتفّ منحدرها الخارجي في خمس طبقات متصاعدة لارتفاع 52 متراً. تسلّق هذه المئذنة يعني أنك تسير على خطى المؤذنين العباسيين الذين صدحوا بالأذان من قمتها منذ أكثر من اثني عشر قرناً.

شاهد تاريخي

إرث الخلافة العباسية

شُيّد الجامع بأمر الخليفة المتوكل عام 848م ليكون الأضخم في العالم، قادراً على احتضان 80,000 مصلٍّ في أروقته السبع عشرة. وعلى الرغم من أن المغول أتوا على الجامع الأصلي عام 1258م، فإن المئذنة صمدت لتروي وحدها حكاية عصر ذهبي لا يُنسى.

تقدير دولي

موقع التراث العالمي لليونسكو

أدرجت اليونسكو سامراء الأثرية ضمن قائمة التراث العالمي عام 2007م، تقديراً لما تمثله من إبداع معماري وفني غير مسبوق. وتُعدّ سامراء العاصمة الإسلامية الوحيدة المحفوظة التي احتفظت بمخططها العمراني الأصلي من العصر العباسي.

جذور حضارية

صدى الزقورات الميسوبوتامية

يرى المؤرخون أن التصميم الحلزوني للمئذنة مستوحى من معابد الزقورات المدرّجة التي أبدعتها حضارات بلاد الرافدين القديمة. هكذا تجمع المئذنة بين العمق الحضاري السومري والعراقي القديم وروح الإسلام المتصاعدة في آنٍ واحد.

مشهد لا يُنسى

بانوراما من قمة التاريخ

يُتيح تسلّق المئذنة إطلالةً بانورامية استثنائية على سامراء وسهول بلاد الرافدين الممتدة، لتنكشف أمامك الأرض التي شهدت ولادة أعظم الإمبراطوريات الإسلامية. إنها تجربة تجعلك تلمس الزمن بيدك، وتستشعر عمق الحضارة التي نبتت على ضفاف دجلة.