شارع المتنبي — قلب بغداد الثقافي
الموقع والروح المكانية
يقع شارع المتنبي في قلب بغداد القديمة، بالقرب من حي الرشيد العريق، على مقربة من ضفاف نهر دجلة الخالد. إنه شارع ضيق لا تتجاوز مسافته كيلومتراً واحداً، غير أن ثقله التاريخي يفوق بكثير حجمه الجغرافي. يبدأ الشارع بقوس يزدان بأبيات الشاعر الكبير، وينتهي بتمثاله الشامخ الذي نحته الفنان محمد غني حكمت مطلاً على دجلة، كأنه حارس أبدي يرعى كل من يعبر هنا باحثاً عن كلمة تضيء عقله أو تلهب روحه.
ليس شارع المتنبي مجرد شارع؛ إنه فضاء مفتوح على كل الأزمنة. حين تطأ أرصفته تشعر بأنك تمشي على صفحات تاريخ متراكم: من زمن الخلافة العباسية التي جعلت بغداد عاصمة للحضارة الإنسانية، مروراً بالحقب العثمانية والملكية، وصولاً إلى اليوم. الشارع اليوم خالٍ من السيارات، تحيط به واجهات محلات مضاءة بالمصابيح المتلألئة، وشرفات حديدية مزخرفة، وعبق القهوة والورق والتاريخ.
من الخلافة العباسية إلى اليوم
تمتد جذور شارع المتنبي إلى العصر العباسي، حين كانت بغداد تُلقَّب بـ"مدينة السلام" وكانت أعظم مركز للمعرفة في العالم. في تلك الحقبة الذهبية، نشأ أول سوق لتجارة الكتب في العاصمة على هذا الطريق بالذات، ليصبح ملتقى العلماء والشعراء والفلاسفة القادمين من أصقاع الدنيا.
في عام 1932، أعاد الملك فيصل الأول تدشين الشارع رسمياً وأطلق عليه اسم الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي، ابن الكوفة الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، وتُعدّ قصائده من أرقى ما أنتجه الشعر العربي على مرّ العصور. كان هذا الاختيار رمزياً بامتياز: الدولة العراقية الحديثة تؤكد هويتها الثقافية وترسّخ ارتباطها بالإرث الأدبي العربي الأصيل.
شهد الشارع خلال القرن العشرين تحولات عميقة انعكست على رفوفه وأرصفته. في عهد عبد الكريم قاسم كانت الكتب الماركسية تملأ المحلات، وفي عقود البعث لم يكن بوسع الباعة عرض إلا ما يمجّد الأيديولوجية الرسمية. أما في مطلع الألفية الثالثة، فقد عادت إلى الأرصفة الكتب المحظورة وأعمال المفكرين المنفيين لتُباع علناً ولأول مرة منذ عقود طويلة.
مأساة 2007 وانبعاث الروح
في الخامس من مارس 2007، دوّت سيارة مفخخة في قلب شارع المتنبي فقتلت أكثر من ثلاثين شخصاً وجرحت المئات. كان الهجوم موجّهاً بوضوح ضد الفكر والإبداع والنور. احترقت المكتبات وتناثرت صفحات الكتب في الهواء كجراح مكشوفة. لكن الشارع لم يمت.
لم يمضِ وقت طويل حتى عاد الباعة وعادت الكتب، وعادت طاولات الأرصفة وأكواب الشاي وهمهمات النقاش. كان الرد الصامت على القنبلة هو الاستمرار. وفي نهاية عام 2021، اكتمل مشروع إعادة التأهيل الشاملة للشارع، فأُعيد رصفه وإضاءته وتجديد محلاته، ليعود بحلة جديدة دون أن يفقد ذاكرته القديمة.
ما تجده في الشارع اليوم
كل يوم جمعة يتحول شارع المتنبي إلى احتفالية أدبية مفتوحة. تتكدس الكتب على الطاولات والأرصفة وتمتد إلى الشوارع الجانبية. ستجد هنا كل شيء: الدواوين الشعرية الكلاسيكية والمجلات الفلسفية النادرة والروايات العالمية والمخطوطات القديمة والكتب المدرسية وملصقات الفن. جيل الطلاب يتقاطع مع جيل الباحثين والمثقفين الكبار في السن، وسط حوارات ودية تملأ الهواء بعبير العقول المتفاعلة.
في الشارع نفسه تقع مقهى الشابندر الأسطورية التي تأسست عام 1917، إحدى أعرق المقاهي في بغداد. على جدرانها تتعلق صور ورسوم تؤرخ للعراق عبر العقود: صورة الفريق الرياضي عام 1936، وبلاط الملك فيصل، وأعلام المثقفين والسياسيين الذين جعلوا من هذا المكان منتداهم. كما يطل الشارع على القشلة، المبنى العثماني التاريخي الذي تحول إلى فضاء ثقافي يحتضن المعارض والفعاليات الفنية، وبرجه الساعي الشهير الذي يزيد المكان سحراً وعمقاً.
المتنبي الشاعر: الرجل الذي منح الشارع اسمه
أبو الطيب المتنبي (915–965م) واحد من أعظم شعراء العرب في كل الأزمنة. وُلد في الكوفة وعاش في قصائده أبطالاً خلّدهم الزمن، وقال في نفسه وفي شعره ما لم يقله سواه. أبياته لا تزال تُردَّد في كل مكان حتى اليوم، وقد أصبح تمثاله في نهاية الشارع المطل على دجلة رمزاً للكبرياء الثقافي العراقي الذي لا ينحني.
نصائح عملية للزائر
أفضل وقت لزيارة شارع المتنبي هو صباح يوم الجمعة حين يكون السوق في أوجه وتمتلئ الأرصفة بالكتب والزوار. الشارع خالٍ من السيارات مما يجعل التجول فيه متعة حقيقية. تناول كوباً من الشاي في مقهى الشابندر لا يُفوَّت؛ إنه تجربة تشعرك بأنك في خضم تاريخ حي. يقع الشارع في منطقة وسط بغداد ويمكن الوصول إليه بسهولة من معظم أحياء العاصمة. لا تنسَ أن تتوقف أمام تمثال المتنبي وتطل على دجلة في المساء — المشهد لا يُنسى.
سوق الكتب الأقدم في العراق
يعود تاريخ شارع المتنبي كسوق للكتب إلى العصر العباسي، ليكون أول سوق لتجارة الكتب في بغداد. منذ أكثر من ألف عام وهو يُغذي عقول البغداديين بالمعرفة والأدب والفكر.
مقهى الشابندر الأسطورية
تأسست مقهى الشابندر عام 1917 وما زالت تفتح أبوابها حتى اليوم. كانت ملتقى السياسيين والشعراء والمفكرين، وعلى جدرانها صور تؤرخ لحقب العراق المتعاقبة. كوب شاي هنا يعني دقائق خارج الزمن.
تمثال المتنبي على دجلة
ينتهي الشارع بتمثال الشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي، من نحت الفنان محمد غني حكمت، شامخاً فوق ضفة دجلة. إنه أكثر من تمثال — هو إعلان عن هوية بغداد الثقافية للعابرين والأجيال.
القشلة العثمانية
يطل الشارع على مبنى القشلة الأثري العائد للعهد العثماني، وبرجه الساعي الشهير الذي بني لإيقاظ الجنود. اليوم أصبح فضاءً ثقافياً يحتضن المعارض الفنية ومنصة لنبض بغداد الإبداعي.
انبعاث ما بعد 2021
بعد سنوات من النزاعات، أُعيد تأهيل الشارع بالكامل في عام 2021 بتجديد الرصيف والإضاءة والمحلات. اليوم يشهد الشارع نهضة ثقافية حقيقية: معارض ومهرجانات ومبادرات أدبية تعيد للشارع بريقه التاريخي.