مئذنة الحدباء
نظرة عامة: المئذنة التي أعطت الموصل اسمها
تطلّ مئذنة الحدباء على أزقة الموصل القديمة بشموخٍ تعلوه دفءٌ لا يُوصف، وهي تنحني بلطفٍ كأنها تنحني للحياة التي تدور تحتها. تقع في مجمع جامع النوري الكبير، في قلب محافظة نينوى شمالي العراق، وترتفع خمسةً وأربعين متراً فوق سطح المدينة بميلٍ شهير جعل منها أيقونةً عالمية ورمزاً لا يُنسى. كلمة "الحدباء" — التي تعني المنحنية — ليست مجرد لقب للمئذنة، بل هي اسم الموصل ذاتها في قلوب أبنائها. لمن يبحث عن رحلة تمسّ الروح وتربطه بعمق التاريخ الإسلامي والحضاري، تبقى الحدباء وجهةً لا تُضاهى.
تقع المئذنة في الجزء الغربي من مدينة الموصل، ضمن حارة النبي جرجيس في المدينة القديمة، وهي على بُعد نحو أربعمائة كيلومتر شمال بغداد. ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالهوية المحلية حتى باتت صورتها تزيّن ورقة العشرة آلاف دينار عراقي.
مئذنة وُلدت في العصر السلجوقي
أمر ببنائها عام 1172م الأتابك السلجوقي نور الدين محمود زنكي، الحاكم الذي خلّده التاريخ بانتصاراته الشهيرة على الصليبيين. كانت المئذنة جزءاً من مجمع ديني ضخم يضم مسجداً ومدرسةً، وقد شُيّدت بفن معماري إسلامي بديع: بدنٌ أسطواني يزيّنه سبع حزمات من الطوب المحفور بزخارف هندسية بالغة الدقة، تتصاعد من قاعدتها المربعة نحو شرفة المؤذن في الأعلى. كان المؤذن يصعد سلّمها الحلزوني المزدوج خمس مرات يومياً ليطلق منها نداء الصلاة فيعمّ صوته أرجاء المدينة. تعكس تصاميم المئذنة تأثيراتٍ معمارية ضاربة في المنطقة المحيطة من إيران وآسيا الوسطى، غير أنها نضجت لتصبح تحفةً مسيحية خالصة تنتمي إلى روح ما بين النهرين.
الميل الذي صنع الأسطورة
حين زار الرحّالة العظيم ابن بطوطة الموصل في القرن الرابع عشر الميلادي، كانت المئذنة قد بدأت ميلها الشهير. لم يُقلق هذا الميل أهل الموصل، بل أشعل فيهم حباً أعمق للمئذنة وأعطاها اسمها الخالد: الحدباء. يمتد الميل نحو متر ونصف أفقياً عن قاعدة المئذنة، مما يضفي عليها طابعاً شعرياً كأنها تنحني حمايةً للمدينة التي تقف فوقها. وقد تحوّلت هذه الهيئة الفريدة إلى شعار للموصل بأسرها، وصار اسم "الحدباء" مرادفاً لاسم المدينة في كل مكان.
التدمير والبعث من جديد
في الحادي والعشرين من يونيو 2017، فجّر مسلحو داعش المئذنة بالمتفجرات وهم يحاولون تدمير ما لا يمكنهم السيطرة عليه. كان المشهد صادماً لأهل الموصل والعالم أجمع، غير أن ساكني المدينة تحلّقوا حول الموقع وشكّلوا سلسلة بشرية في محاولة مؤثرة لحماية ما تبقى من قاعدة المئذنة. ما تلا ذلك كان قصة استثنائية في تاريخ الحفاظ على التراث: ضخّت اليونسكو مائة وخمسة عشر مليون دولار عبر مبادرة "إحياء روح الموصل"، وبدأت عمليات إعادة البناء الفعلية في فبراير 2022 بأيدي مهندسين وحرفيين استعادوا تقنيات بناء الطوب التقليدي التي لم تُستخدم منذ قرون، مع إعادة توظيف الشظايا الأصلية التي أُنقذت من الأنقاض. في فبراير 2025، أعلنت المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي عن اكتمال الترميم وقالت: "هذا كأن التاريخ يعود، كأن هوية هذه المدينة تعود." وافتُتح جامع النوري الكبير رسمياً للصلاة في سبتمبر 2025.
مئذنة الحدباء اليوم: دليل الزائر
تقع الحدباء في المدينة القديمة بالموصل، غرب العراق، على بُعد نحو تسعين دقيقة بالسيارة من أربيل. أفضل أوقات الزيارة هي بين أكتوبر وأبريل حين يكون الطقس معتدلاً. تستطيع اليوم أن تجوب أروقة جامع النوري المُعاد تشييده، وتستشعر روعة حرفة الترميم عن قرب، وتزور كنيسة الطاهرة وكنيسة الساعة القريبتين اللتين أعادت اليونسكو ترميمهما أيضاً. الموصل في طور نهضة حقيقية، وزيارتها اليوم تعني أنك شاهد على لحظة تاريخية نادرة في حياة مدينة تستعيد نفسها من رماد الحرب.
الميل الأسطوري
يمنح ميل الحدباء الشهير المئذنةَ هيئةً لا تُشبه أي منارة في العالم الإسلامي. بدأ الميل يتشكّل خلال القرن الرابع عشر الميلادي، ليتحوّل في نظر الناس من عيبٍ إلى معجزة، ومن ظاهرة إلى هوية. يمتد الجزء العلوي من المئذنة نحو متر ونصف أفقياً عن قاعدتها، مما يجعل النظر إليها تجربة بصرية لا تُنسى.
التحفة السلجوقية
شُيّدت عام 1172م بأمر من الأتابك السلجوقي نور الدين زنكي، وتُعدّ مثالاً بديعاً للعمارة الإسلامية في عصرها الذهبي. يُزيّن بدنها الأسطواني البالغ الارتفاع سبع حزامات من الطوب المحفور بزخارف هندسية دقيقة، في تناغم بصري رائع يعكس عبقرية المعمار الإسلامي في بلاد ما بين النهرين.
رمز العراق
لا تكاد تجد عراقياً لا يعرف صورة الحدباء؛ فقد طبعت صورتها على ورقة العشرة آلاف دينار العراقي، وغدت اسماً لمدينة الموصل بأسرها. عبر القرون، كانت الحدباء هي التي تطمئن المسافر العائد أنه وصل إلى بيته في الموصل. هذا الرمز الحي يجسّد ما تمثّله المدينة من عمق تاريخي وروح لا تُكسر.
بعث من الرماد
بعد تدمير داعش للمئذنة في يونيو 2017، تحرّك العالم لإعادة بنائها. أطلقت اليونسكو مبادرة "إحياء روح الموصل" وضخّت مائة وخمسة عشر مليون دولار، وعملت فرق الهندسة والحرفيون المحليون معاً لإعادة بناء المئذنة بالطوب التقليدي ذاته، بميلها الأصلي، وبمواد أُنقذت من أنقاض التدمير. اكتملت المئذنة في عام 2025 وهي تقف اليوم شاهدةً على أن الإرادة الإنسانية أقوى من آلة الدمار.
بوابة الموصل القديمة
زيارة الحدباء تعني دخول الأحياء التاريخية لأقدم مدن الشمال العراقي. تحيط بها الأزقة العثمانية وأسواق المدينة القديمة وكنيسة الطاهرة وكنيسة الساعة، كلها مواقع تحكي قصة موصل المتعددة الأديان والثقافات. إنها وجهة لمن يريد أن يقرأ التاريخ حياً، لا في الكتب.