قلعة أربيل
تاج يعلو فوق المدينة
في قلب مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، يقف أحد أعظم المواقع الأثرية في تاريخ البشرية جمعاء. قلعة أربيل، المعروفة محلياً باسم قَلّات أو قَلاي هَولير بالكردية، هي تل بيضوي الشكل يرتفع ستةً وعشرين متراً فوق نسيج المدينة الحديثة المحيطة به، لتبدو واجهاته الشاهقة كأنها أسوار حصن منيع لا يُقهر. هذا التل ليس مجرد مرتفع طبيعي، بل هو حرفياً جبل من طبقات الحضارات المتعاقبة، حُفرت أحجار أسسه من قِبَل أجيال بشرية لا تُحصى بنت فوق بعضها على مدى ثمانية آلاف سنة متواصلة.
يغطي التل مساحة تناهز مئة وألفَي متر مربع، ويحيط به على الجهات الأربع نسيج المدينة العصرية لأربيل المتنامية بسرعة مذهلة. لكن القلعة تظل صامدة كعلامة فارقة في المشهد البصري والروحي للمكان، بل إن اليونسكو وصفتها بأنها واحدة من أكثر المواقع الأثرية إثارةً بصرياً ودراماتيكيةً ليس في الشرق الأوسط وحده، بل في العالم أجمع.
ثمانية آلاف سنة من الحضارة المتواصلة
إن قلعة أربيل ليست مجرد موقع تاريخي قديم، بل هي ربما أقدم مستوطنة بشرية مأهولة بلا انقطاع على سطح الكوكب. تعود أولى الأدلة على السكن البشري في هذا التل إلى الفترة الكالكوليثية، حيث عُثر على شظايا فخارية تعود إلى حقبتَي عُبيد وأوروك، وهي حضارات ما قبل التاريخ في بلاد الرافدين. وفي عام 2019، وصفت وكالة ناسا الفضائية الأمريكية الموقع بأنه ربما أقدم مستوطنة بشرية مأهولة باستمرار على وجه الأرض.
يظهر ذكر أربيل للمرة الأولى في المصادر المكتوبة حوالي عام 2300 قبل الميلاد، في رُقُم طينية مكتوبة بالخط المسماري اكتُشفت في أرشيف مملكة إيبلا السورية القديمة، التي أشارت إليها باسم إيربيلوم. وقد حكمها السومريون، ثم الأكاديون، ثم الغوتيون، وأصبحت لاحقاً مركزاً دينياً وسياسياً بالغ الأهمية في عهد الدولة الآشورية.
إرث آشور ومدينة أربيلا العظيمة
بلغت أربيل أوج مجدها في عهد الإمبراطورية الآشورية، حين عُرفت بـأربيلا وكانت مقراً لمعبد الإلهة عشتار، آلهة الحب والحرب والخصوبة التي كانت تحظى بتبجيل خاص في هذه المنطقة. وعلى أرض محيطة بالمدينة دارت عام 331 قبل الميلاد معركة غوغاميلا الفاصلة التي هزم فيها الإسكندر الأكبر الملك الفارسي داريوس الثالث، فغيّرت مسار التاريخ القديم بأسره.
ومرّت على القلعة حضارات عديدة كالأخمينيين والإغريق والرومان والساسانيين والأمويين والعباسيين والمغول والعثمانيين، فصمدت أمام كل موجة وموجة، واستوعبت طبقة أثرية جديدة فوق ما سبقها. ويرى المنقبون أن باطن التل يخفي كنوزاً أثرية هائلة لم تُكشف بعد، تمتد لعشرات الأمتار نحو الأعماق.
ملتقى الديانات والحضارات
كانت أربيل عبر القرون مركزاً لتنوع ديني نادر. في الحقبة الساسانية ثم خلال الخلافة العباسية، أصبحت مقراً رئيسياً للمسيحية النسطورية، إذ استضافت مجمعات كنسية مهمة وظلت مأهولة بالمجتمعات المسيحية لقرون طويلة. وما زالت القلعة تضم مسجداً يعود في أصله إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وحماماً شعبياً أثرياً يعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وهو أقدم حمام تاريخي في القلعة.
في القرن الثالث عشر الميلادي، اقتحم المغول أسوار القلعة وطووا صفحة الأهمية السياسية لأربيل، لكن المدينة واصلت نبضها الحضاري ولم تتوقف. وفي مطلع القرن العشرين، عُدّلت بنية القلعة بشكل ملحوظ مما أفضى إلى هدم عدد من منازلها التقليدية، غير أن الإرث المعماري للمباني الشاهقة التي شُيّدت في الحقبة العثمانية المتأخرة لا يزال يُضفي على واجهة القلعة طابعها الفريد وهيبتها البصرية التي تُبهر الأنظار.
ما تراه داخل القلعة
يمشي زائر القلعة اليوم في فضاء يجمع الزمن كله في مكان واحد. المتحف الكردي للمنسوجات الذي افتتح عام 2004 في بيت عربي مرمَّم يعج بالفسيفساء الحضارية، يعرض فنون النسيج والزخرفة الكردية عبر العصور. ومركز الزوار والتفسير التابع لليونسكو يحتضن معرضاً تفاعلياً متطوراً يشمل جدول زمنياً افتراضياً تتجول فيه عبر آلاف السنين، ولوحات تفاعلية تتيح لك كتابة اسمك بالخط المسماري، وعروضاً صوتية وضوئية تستعيد أجواء المدينة القديمة.
وتتناثر في أرجاء القلعة بيوت فناء تقليدية جميلة تشهد على أصالة العمارة الكردية الإسلامية، فضلاً عن دكاكين الحرف اليدوية والتذكارات. وحول القلعة، تتمدد ساحات ومقاهٍ تزدحم كل يوم جمعة بسكان أربيل وزوارها القادمين من كل بقاع العراق.
التسجيل في قائمة التراث العالمي والترميم
في عام 2007، أسس الإقليم الكردستاني الهيئة العليا لتأهيل قلعة أربيل، وأُجليت الأسر القاطنة فيها لتبدأ مرحلة ترميم شاملة. وفي الحادي والعشرين من يونيو عام 2014، أُدرجت القلعة رسمياً على قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو، وهو تتويج لجهود دولية متضافرة شملت المملكة العراقية والمنظمات الدولية. لا تزال أعمال الترميم جارية حتى اليوم، وما يجري الكشف عنه من أعماق التل يثير دهشة العلماء في كل مرة.
كيف تصل وأفضل وقت للزيارة
تقع القلعة في قلب مدينة أربيل ويمكن الوصول إليها بسهولة من الفندق أو المطار عبر سيارة أجرة أو تطبيق نقل. يُقلعُ من مطار أربيل الدولي رحلات مباشرة من عدد من المدن العربية والأوروبية. أفضل أوقات الزيارة هي الربيع (مارس – مايو) والخريف (سبتمبر – نوفمبر) حين تكون الأجواء معتدلة وجميلة. أما صيف أربيل فحار جاف، وشتاؤها بارد لطيف في الغالب. تفتح القلعة أبوابها طوال أيام الأسبوع، والدخول مجاني أو برسوم رمزية بحسب المناطق والمتاحف.
أقدم مدينة مأهولة في العالم
يرجح العلماء أن قلعة أربيل تُمثّل أقدم مستوطنة بشرية مأهولة بلا انقطاع على وجه الكوكب، بتاريخ يمتد نحو ثمانية آلاف عام. في عام 2019، وصفتها وكالة ناسا بأنها ربما أقدم مدينة مأهولة على الأرض، مما يضعها في مصاف العجائب الإنسانية الحقيقية.
موقع تراث عالمي ليونسكو
أُدرجت القلعة على قائمة التراث العالمي لليونسكو في يونيو 2014، تقديراً لقيمتها الاستثنائية كنموذج فريد للتل الأثري متعدد الطبقات الذي لا يزال يسيطر بصرياً على محيطه الحضري. يشكّل هذا الإدراج حجر أساس في مسيرة السياحة التراثية في العراق.
التل العظيم
يرتفع التل ستةً وعشرين متراً فوق المدينة المحيطة به، ويضم في باطنه عشرات الأمتار من الطبقات الأثرية التي تروي تاريخ حضارات السومريين والأكاديين والآشوريين والمغول والعثمانيين والكثير غيرهم. هذا المشهد الأثري النادر لا يُوجد له نظير في أي مكان آخر على وجه الأرض.
المتحف الكردي للمنسوجات
افتُتح عام 2004 في بيت أثري مرمّم، ويعرض المتحف روائع فن النسيج الكردي عبر حقب تاريخية متعاقبة. يضم المتحف مجموعات نادرة من السجاد والأقمشة التقليدية التي تجسّد هوية المنطقة الثقافية العريقة، وهو تجربة لا غنى عنها لمحبي الفنون الشعبية.
العمارة العثمانية المتأخرة
تتميز واجهة القلعة بتسلسل متواصل من الأبنية العثمانية الشاهقة من القرن التاسع عشر الميلادي، تنتظم في نمط مروحي فريد يُضفي على المكان طابعاً بصرياً مهيباً. هذه الواجهة الموحدة تعكس ما يقرب من قرنين من التطور المعماري دفعة واحدة، وتمنح زائرها شعوراً بالوقوف أمام حصن منيع لا يُقهر.