المتحف العراقي
حارس حضارة الإنسانية
في قلب بغداد، على الضفة الغربية لنهر دجلة الخالد، يقف المتحف العراقي شامخاً كشاهد على أعظم صفحات التاريخ البشري. هذا المبنى الرزين ليس مجرد متحف؛ إنه بوابة زمنية تأخذك في رحلة استثنائية عبر أكثر من عشرة آلاف سنة من الحضارة الإنسانية، من فجر الكتابة الأولى على ألواح الطين إلى زخارف الفن الإسلامي الباهرة. لا تُوجد في العالم مجموعة أخرى تروي قصة بلاد الرافدين، مهد الحضارة، بهذا العمق والشمول.
يمتد المتحف على مساحة 45,000 متر مربع، ويضمّ في قاعاته الثماني والعشرين آثاراً تمثّل الحضارات السومرية والأكادية والبابلية والآشورية والكلدانية والفارسية والعباسية. إنه المكان الذي تتجسّد فيه عبارة "العراق هو مهد الحضارة" بكل معانيها؛ فكل حجر وكل لوح طين هنا هو جزء من قصة الإنسانية الكبرى.
من البدايات المتواضعة: تاريخ المتحف
تعود بدايات المتحف إلى عام 1922، حين شرعت المستشرقة والمستكشفة البريطانية الشهيرة غيرترود بيل في جمع الآثار العراقية في مبنى حكومي ببغداد، إيماناً منها بأن العراقيين يستحقون الوصول إلى إرثهم الحضاري. وفي عام 1926، أُسِّس المتحف رسمياً تحت اسم «متحف بغداد للآثار»، وتولّت بيل إدارته في بدايته حتى وفاتها في العام ذاته، تاركةً وراءها مؤسسةً ستتحول إلى صرح ثقافي عالمي.
نقل المتحف مقرّه في عام 1966 إلى مبناه الحالي الفسيح في حي الصالحية ببغداد، واتّسعت مجموعاته بشكل متسارع مع توالي الاكتشافات الأثرية الكبرى. وعلى الرغم من الجراح العميقة التي خلّفتها عمليات النهب عام 2003، حين سُرق ما يزيد على خمسة عشر ألف قطعة أثرية، إلا أن الإرادة العراقية الصلبة، بمساندة دولية واسعة، أعادت المتحف إلى الحياة؛ فأُعيد افتتاحه رسمياً في فبراير 2015 ليواصل رسالته الحضارية الخالدة.
كنوز لا تُقدَّر: المجموعات الأثرية
يزخر المتحف بمجموعات أثرية من الروائع التي تبهر العقول وتسحر القلوب. تأتي في مقدمتها مجموعة ذهب نمرود المذهلة، وهي حلي وأواني ومجوهرات ذهبية تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، اكتُشفت في مقابر ملكيات الممالك الآشورية وتمثّل أرقى ما وصلنا من فنون الصياغة في العالم القديم. وإلى جانبها، تُبهرك ألواح الكتابة المسمارية المنبثقة من مدينة أوروك الأثرية، والتي تعود إلى الفترة الممتدة بين 3500 و3000 قبل الميلاد، لتكون شاهداً حياً على الاختراع البشري الأعظم: الكتابة.
أما الأجنحة الآشورية، فتستقبلك بمنحوتات ضخمة مهيبة تصوّر ثيران مجنّحة بوجوه بشرية كانت تحرس مداخل القصور الملكية، إلى جانب ألواح حجرية بارزة النقش تؤرّخ لحملات الملوك وصيد الأسود. وفي قاعات الحضارة الإسلامية، تتكشّف عظمة العصر الذهبي للخلافة العباسية التي جعلت من بغداد مركزاً للعلم والفن والفلسفة في العالم. وبين هذه الروائع كلها، تمتد قاعة الفخار والمجوهرات من عصر ما قبل التاريخ إلى العصور الإسلامية، لتحكي قصة تطور الفن والحياة اليومية في أرض الرافدين.
حكاية صمود لا تُنسى
لا يمكن لزائر المتحف العراقي أن يتجاهل قصة الصمود الإنساني المُجسَّدة في جدرانه. فبعد أن طالته يد التخريب والنهب عام 2003، في ما وصفه المسؤولون العراقيون بـ«جريمة القرن بحق تراث الإنسانية»، انتفضت إرادة الشعب العراقي وشهدت المجتمعات الدولية، متكاتفةً من إيطاليا والولايات المتحدة واليابان والأمم المتحدة، لإعادة الحياة لهذا الصرح. عادت آلاف القطع المسروقة تدريجياً، وخضعت المعروضات لترميم دقيق على أيدي خبراء إيطاليين، حتى فتح المتحف أبوابه من جديد في 2015 محتفياً بانتصار الثقافة على التدمير.
اليوم، يُجسّد المتحف العراقي معنى الهوية الوطنية، ويشكّل رمزاً حياً للنهضة العراقية. كل زيارة إليه هي مشاركة في إحياء هذا الإرث وإعادة التأكيد على أن تاريخ العراق هو تاريخ الإنسانية جمعاء.
تخطيط زيارتك
يقع المتحف في حي الصالحية بالكرخ على بُعد دقائق من وسط بغداد، ويمكن الوصول إليه بسهولة بالسيارة أو سيارة الأجرة. تبلغ رسوم الدخول للزوار الأجانب نحو 25,000 دينار عراقي. يُستحسن تخصيص ساعتين على الأقل للجولة، وثلاث ساعات لمن يرغب في الاستمتاع بالتفاصيل. تعمل المتحف أيام الثلاثاء حتى الأحد، وتعدّ أشهر الخريف والربيع الأمثل للزيارة لاعتدال الطقس. احرص على التواصل المسبق للتأكد من ساعات العمل الحالية. لا تغادر بغداد دون أن تحمل معك ذكرى من هذا الصرح الإنساني الفريد.
ذهب نمرود الملكي
مجموعة استثنائية من المجوهرات والأواني الذهبية تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، اكتُشفت في مقابر ملكيات الممالك الآشورية. تمثّل هذه القطع الرائعة ذروة فنون الصياغة في العالم القديم، وتُحيّر العيون بدقتها وجمالها.
ألواح الكتابة المسمارية
ألواح طينية من مدينة أوروك الأثرية يعود عمرها إلى أكثر من خمسة آلاف عام، وتُعدّ من أقدم الوثائق المكتوبة في تاريخ الإنسانية. في هذه القاعة، تقف أمام اللحظة التي اخترع فيها الإنسان الكتابة وغيّر مسار الحضارة إلى الأبد.
المنحوتات الآشورية العملاقة
ثيران مجنّحة بوجوه بشرية وألواح حجرية بارزة النقش تؤرّخ لأمجاد الملوك الآشوريين. هذه الأعمال الضخمة المهيبة، التي كانت تحرس مداخل القصور، تُعيد إليك الإحساس بعظمة إمبراطورية امتدت يوماً لتحكم العالم القديم.
الفن الإسلامي العباسي
قاعة مخصصة لروائع العصر العباسي الذهبي، حين كانت بغداد قبلةَ العلماء والفلاسفة والفنانين من أصقاع الأرض. تكشف هذه المقتنيات عن حضارة أضاءت العالم في وقت كان الظلام يخيّم على أرجاء واسعة من الكرة الأرضية.
رحلة عبر 28 قاعة
من أدوات الصيد في عصر ما قبل التاريخ إلى محاريب الجوامع العباسية المزخرفة، تصحبك قاعات المتحف في رحلة متصلة عبر حضارات تعاقبت على أرض العراق. إنه تجربة عمرية فريدة، تخرج منها بفهم عميق لعطاء العراق للحضارة الإنسانية.