دير مار متى — قلعة الإيمان في قمة جبل ألفاف
الموقع والهوية
على ارتفاع نحو 820 متراً فوق مستوى سطح البحر، يتربّع دير مار متى على قمة جبل ألفاف — المعروف أيضاً بجبل مقلوب — في محافظة نينوى شمالي العراق، على بُعد نحو عشرين كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة الموصل. من هذا الموقع المتسامي، تنبسط أمام الزائر سهول نينوى الأسطورية بكل اتساعها الذهبي، فيما تحتضن المرتفعات المحيطة هذا الشاهد الحجري العريق بما يشبه الحارس الأمين. يُعدّ الدير واحداً من أقدم الأديرة المسيحية لا في العراق وحده، بل في العالم أجمع، ويحمل لقب أقدم دير أرثوذكسي سرياني على وجه الأرض.
لا يكاد يُصدّق الزائر حين يرى هذا المجمع الثلاثي الطوابق بغرفه المئة وكنيستيه العتيقتين — إحداهما مكرّسة للقديس مار متى والأخرى للعذراء مريم — منبثقاً من صخر الجبل كأنه جزء لا ينفصل عنه، موصولاً بالسماء والأرض معاً في آنٍ واحد.
قصة التأسيس
في عام 363 ميلادي، حين كانت رياح الاضطهاد تعصف بالمسيحيين تحت حكم الإمبراطور الروماني يوليانوس المرتد، فرّ ناسكٌ متعبّد يُدعى مار متى من مدينة آمِد — ديار بكر اليوم — رفقة خمسة وعشرين راهباً، ليلتمسوا ملجأً في هذا الجبل النائي قرب نينوى. لم يكن يعلم أن مسيرة هروبه تلك ستُولد أعرق صروح الإيمان المسيحي في بلاد الرافدين.
تروي الأساطير السريانية أن مار متى شفى سارة بنت سنحاريب — والي منطقة النمرود المعيّن من قِبَل الملك الفارسي سابور — من داء عضال، فاعتنق الأمير بهنام وأخته سارة المسيحية، وما لبث سنحاريب نفسه أن تاب وبنى كنيسة ودير على الجبل استجابةً لطلب مار متى. هكذا تضافرت معجزة الشفاء والمُلك والإيمان لتقوم هذه البُنية المقدسة التي صمدت أمام الزلازل والغزوات عبر الأجيال.
الإرث الروحي والمعرفي
بلغ الدير أوج ازدهاره حين كانت جنباته تضمّ ما يُقال إنه سبعة آلاف راهب في أوقات ذروته، ليغدو المركز الأرثوذكسي السرياني الأهم في شمال العراق كله. أخرج الدير من بين جدارنه ثلاثة بطاركة للكرسي الأنطاكي، وسبعة مفريانين، وأربعة وستين مطراناً، فضلاً عن عشرات العلماء والنسّاخين الذين أثروا الموروث المسيحي الشرقي بمؤلفاتهم ومخطوطاتهم.
اشتُهر الدير بمكتبته العامرة التي كانت تحتضن آلاف المخطوطات السريانية النفيسة. وعلى الرغم من حريق مدمّر اندلع عام 480 ميلادي وما أعقبه من غارات متكررة، لا يزال الدير يحتفظ بنحو 224 مخطوطة، أقدمها نسخة من العهد الجديد تعود إلى عام 1222 ميلادي. كما شهد الدير ثلاثة مجامع كنسية كبرى كان لها أثر بالغ في تنظيم أحوال الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في المشرق.
الصمود عبر القرون
لم تكن رحلة الدير عبر الزمن خالية من المحن؛ فقد اجتاحه الأكراد مرات عدة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتعرّض لغارات المغول تحت قيادة هولاكو حفيد جنكيز خان عام 1262، وتتالت عليه موجات النهب والتدمير. غير أن الرهبان عادوا في كل مرة ليُعيدوا بناءه لبنةً لبنة، مؤكدين أن الإيمان أمتن من كل جدران الحجر.
وفي أشدّ المحن وطأةً، حين زحف تنظيم داعش عام 2014 على الموصل وأحكم قبضته على معظم سهل نينوى، ظلّ الدير صامداً كالطود، وإن كان التنظيم لم يتجاوز حدوده على بُعد كيلومترات قليلة. نجا الدير بشكل لا يزال يستعصي على التفسير المنطقي، فيما يراه الرهبان والمؤمنون دليلاً حيّاً على الحماية الإلهية. عاد الزوار والحجاج إلى طرق الدير فور انتهاء الأزمة، واستعاد المكان أنفاسه ودوره كمنارة روحية.
المعالم والزيارة
يتكوّن مجمع الدير من ثلاثة طوابق تضمّ نحو مئة غرفة توزّعت بين مقرّات الرهبان والكنيستين الرئيسيتين وقاعات المخطوطات والسراديب. يجوز للزائر أن يتأمّل مقبرة القديسين حيث يرقد مار متى نفسه وعدد من خلفائه وأساقفته، وأن يعيش في الغرف المحفورة داخل الصخر أجواء النُّسّاك الأوائل. أما الإطلالة البانورامية على السهول، فتُحيي في الروح شعوراً بالانعتاق لا تضاهيه إطلالة أخرى في المنطقة.
يُنصح بالتوجه إلى الدير من مدينة الموصل أو قرى سهل نينوى كبخديدة (قرقوش) عبر طريق معبّد وُضع حديثاً ليسهّل وصول الحجاج والسيّاح. يُفضَّل الوصول في الصباح الباكر حيث الهواء النقي والهدوء الذي لا يُكسّره إلا صوت الأجراس بعيداً وأصداء الترانيم السريانية تملأ أروقة الحجر. ارتدِ ملابس محتشمة احتراماً لقدسية المكان، وتحلّ بالصبر والتأمل، فالدير لا يُعطي أسراره لمن يعجل.
دعوة إلى الاكتشاف
دير مار متى ليس مجرد موقع أثري تُعدّ فيه الحجارة وتُصوَّر؛ إنه مكان لا يزال ينبض بالحياة، حيث يواصل الرهبان صلواتهم وترانيمهم بالسريانية العريقة، ويرفع الدخان البخور إلى السماء كما كان يفعل أسلافهم منذ ستة عشر قرناً. من يقصده يعود بشيء لا يُشترى: حسّ عميق بمعنى الاستمرارية، وإعجاب جليل بروح الإنسان حين تتشبّث بنورها في قلب العتمة.
أقدم دير سرياني في العالم
تأسّس دير مار متى عام 363 ميلادي، ليحمل لقب أقدم دير أرثوذكسي سرياني لا يزال حياً وفاعلاً حتى اليوم. ستة عشر قرناً من الصلاة والعلم والصمود جعلته ركيزةً لا غنى عنها في تاريخ المسيحية المشرقية وبلاد الرافدين.
إطلالة بانورامية على نينوى
من على ارتفاع 820 متراً، تنبسط سهول نينوى الأسطورية حتى تخوم الأفق. هذه الإطلالة التي طالما أوحت للرهبان بالتأمل توفّر للزائر اليوم تجربة بصرية وروحية من أندر ما يمكن أن يختبره المسافر في شمال العراق.
مكتبة مخطوطات سريانية
احتضن الدير عبر تاريخه آلاف المخطوطات السريانية النفيسة. لا تزال مكتبته تضمّ 224 مخطوطة، أقدمها نسخة من العهد الجديد تعود إلى عام 1222 ميلادي، وهي شواهد حيّة على دوره المحوري مركزاً للعلم والنسخ والتوثيق في الحضارة السريانية.
أسطورة مار متى وبهنام
تحمل جدران الدير ذاكرة أسطورة شفاء الأمير بهنام وأخته سارة على يد الناسك مار متى، وهي قصة تمتد خيوطها إلى دير مار بهنام القريب في نمرود. هذا التشابك الروائي يجعل المنطقة كلها فضاءً روحياً متكاملاً لمن يريد التعمق في تاريخ المسيحية السريانية.
صمود في وجه داعش
حين سقطت الموصل عام 2014 بيد تنظيم داعش، بقي الدير ـ على بُعد كيلومترات قليلة من مواقع التنظيم ـ سليماً لم تمسّه يد. بقاؤه الغريب أصبح في حدّ ذاته حكايةً يرويها الرهبان والزوار، ورمزاً لصمود الإنسان وبقاء الإيمان أمام أشد التحديات.