سامراء — عاصمة الخلافة العباسية
الموقع والنبذة العامة
تقع مدينة سامراء على الضفة الشرقية لنهر دجلة في محافظة صلاح الدين، على بُعد نحو 125 كيلومتراً شمال بغداد. يمتد موقعها الأثري الشاسع على طول 41.5 كيلومتراً، وعرضه يتراوح بين 4 و8 كيلومترات، مما يجعله من أكبر المواقع الأثرية الإسلامية في العالم. في عام 2007، صنّفت اليونسكو هذا الموقع التاريخي ضمن قائمة التراث العالمي، ليُضاف إلى ستة مواقع عراقية تحمل هذا الشرف الرفيع. اسمها يعني بالعربية "سرّ من رأى" — أي بهجة لكل من رآها — وهو توصيف لا يزال ينطبق عليها حتى اليوم.
تاريخ سامراء يمتد إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد، إذ كانت موطناً لحضارة ما قبل التاريخ التي سُمّيت باسمها "ثقافة سامراء". غير أن مجدها الحقيقي انطلق حين اختارها الخليفة العباسي المعتصم بالله عاصمةً له عام 836م، لتصبح لأكثر من نصف قرن مركز ثقل الخلافة الإسلامية الممتدة من تونس حتى آسيا الوسطى.
مهد عاصمة عباسية
بنى الخليفة المعتصم سامراء من الصفر بوصفها عاصمة إدارية وعسكرية جديدة، وسرعان ما تحوّلت إلى معجزة معمارية. على مدى عقود متلاحقة، أضاف خلفاؤه من بعده قصوراً فارهة ومساجد شامخة وحدائق غنّاء، حتى غدت أعظم مدينة في العالم الإسلامي في عصرها. استقطبت سامراء الفنانين والمعماريين والحرفيين من أصقاع الدولة العباسية الواسعة، فنشأت فيها أنماط فنية مبتكرة كالزخارف الجصية "بأسلوب سامراء" التي انتشرت لاحقاً في أرجاء العالم الإسلامي. كما ابتُكر فيها نوع جديد من الخزف يُعرف بـ"الخزف البرّاق" الذي يحاكي الآنية المصنوعة من الذهب والفضة.
بعد أن تخلّت عنها الخلافة عام 892م وعادت إلى بغداد، ظلّت معظم مبانيها بمنأى عن إعادة البناء العمراني الكثيف الذي طال مدناً أخرى، مما أبقى على مخططها الأصلي وطابعها الأثري بشكل استثنائي نادر. وهكذا تُعدّ سامراء اليوم الأثر المادي الوحيد الباقي الذي يُجسّد الخلافة العباسية في أوج ازدهارها.
المسجد الكبير ومئذنة الملوية
لا شيء يُعبّر عن عظمة سامراء كمئذنة الملوية، تلك الأعجوبة المعمارية التي تتصاعد حلزونياً إلى ارتفاع 52 متراً فوق السهل المترامي. شُيّدت في القرن التاسع الميلادي إبان خلافة المتوكل على الله، وتفرّدت بتصميمها اللولبي الذي لم يسبق له مثيل في العالم الإسلامي؛ مسلك حلزوني يدور عكس عقارب الساعة يلتفّ حول المئذنة الدائرية القاعدة عبر خمس طبقات متتالية. يرى بعض الباحثين أن إلهامها جاء من زقورات بلاد الرافدين القديمة. اسمها الملوية مأخوذ من الكلمة العربية التي تعني المُلتوي أو المُلتفّ — وهو وصف دقيق لهذا البرج اللافت المنظر.
يحيط بالمئذنة المسجد الكبير لسامراء، الذي كان في عهده أضخم مساجد العالم، إذ تبلغ أبعاده 264 متراً في 159 متراً. بُنيت جدرانه من الآجر المحروق وزُيّنت مداخله بفسيفساء من الزجاج الأزرق الداكن، وحوى في صحنه نافورة تُعدّ قطعة فريدة منحوتة من صخرة واحدة. وقد ألهم هذا التصميم الجامع جامع ابن طولون في القاهرة وغيره من المساجد الكبرى في العالم الإسلامي.
مرقد الإمامين: القبة الذهبية
يُعدّ مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، المعروف بـمرقد العسكريين أو المسجد الذهبي، من أقدس البقاع في الإسلام الشيعي ومن أبرز مقامات العراق روحانيةً وجمالاً. يضمّ المرقد رفات الإمامين العاشر والحادي عشر من أئمة الشيعة الاثني عشرية، وقبة ذهبية مذهبة تتألق في سماء سامراء وتُبهر الأبصار على مرمى أميال. يؤمّ هذا المرقد ملايين الحجاج والزوار سنوياً من شتى أنحاء العالم، حاملين معهم الدعاء والتبجيل لمن دُفنوا هنا منذ أكثر من اثني عشر قرناً. ولهذا المرقد أيضاً أهمية خاصة لدى من يعتقد بولادة الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر في هذه الأرض المقدسة.
القصور والفنون والابتكار
لم تكن سامراء عاصمةً دينيةً فحسب، بل كانت كذلك مركزاً للرفاهية والفن الرفيع. يمكن للزائر أن يتجوّل في بقايا قصر الخليفة قصر العاشق وقصر الجعفري وغيرهما من القصور الأموية الضخمة التي كانت تُحيط بها البساتين والحدائق الرحبة وميادين صيد الطرائد. على مساحة هذا الموقع الشاسع — الذي لم يُنقّب منه حتى الآن سوى 20 بالمئة — تتناثر بقايا أحياء سكنية وأسواق تجارية وحمامات عامة تكشف عن مدينة كانت تنبض بالحياة. أما أسلوب النحت الجصي بزخارفه النباتية والهندسية الفريدة الذي ابتُكر في سامراء، فقد انتشر من هنا ليُزيّن مساجد وقصوراً من الأندلس حتى فارس، وهو إسهام حضاري خالد في تاريخ الفن الإسلامي.
نصائح الزيارة وأفضل المواسم
أفضل أوقات زيارة سامراء هي فصلا الربيع (مارس – مايو) والخريف (أكتوبر – نوفمبر)، حين تعتدل الحرارة وتصبح التجوّل في المواقع الأثرية المفتوحة تجربةً ممتعة. يُنصح دائماً بالتنسيق مع وكالة سفر محلية متخصصة للتأكد من آخر المستجدات المتعلقة بالوصول إلى المواقع. تقع سامراء على بُعد ساعتين إلى ثلاث ساعات بالسيارة من بغداد، مما يُتيح الجمع بينهما في رحلة واحدة. خصّص يوماً كاملاً على الأقل لاستيعاب ما تزخر به المدينة من معالم؛ مئذنة الملوية ومرقد العسكريين وبقايا القصور تستحق كل لحظة تمضيها بين جنباتها. وفي أسواق سامراء الشعبية، لا تفوّت تجربة المأكولات العراقية الأصيلة كالمسگوف والتشريب والكبّة.
مئذنة الملوية
تتصاعد مئذنة الملوية الحلزونية إلى ارتفاع 52 متراً فوق سهول سامراء بتصميم لولبي لا مثيل له في العالم الإسلامي. شُيّدت في القرن التاسع الميلادي، وهي ترمز إلى جرأة الإبداع المعماري العباسي في عصره الذهبي، وقد ظلّت لقرون مصدر إلهام للمعماريين في أرجاء العالم.
المسجد الكبير
كان المسجد الكبير لسامراء حين بُني أضخم مساجد العالم بأسره، تبلغ أبعاده 264 متراً في 159 متراً. صحنه الفسيح وجدرانه المزيّنة بالفسيفساء الزجاجية الزرقاء وزخارفه الجصية البديعة أثّرت في المعمار الإسلامي من القاهرة حتى آسيا الوسطى.
مرقد الإمامين
يُعدّ مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري من أقدس المقامات في الإسلام الشيعي. تُبهر قبّته الذهبية المتألقة الأبصار وتملأ الروح بالطمأنينة، فيما يُواصل الملايين من الحجاج قدومهم من شتى أنحاء العالم طلباً للبركة والزيارة.
القصور الأثرية
تنتشر في سامراء بقايا قصور كبرى كقصر العاشق وقصر الجعفري، التي كانت تُشكّل في عصرها مجمّعات فارهة من البساتين والحدائق والميادين. تُقدّم هذه البقايا الأثرية لوحة حيّة عن الرفاهية والعظمة التي تمتّع بها الخلفاء العباسيون.
موقع التراث العالمي
صنّفت اليونسكو سامراء موقعاً للتراث العالمي عام 2007 تقديراً لقيمتها الاستثنائية. يمتد الموقع الأثري على مسافة 41 كيلومتراً طولاً، ولا يزال 80 بالمئة منه طيّ التراب في انتظار الكشوفات القادمة، مما يجعل سامراء أرضاً لا تزال تحتفظ بأسرارها.