السليمانية — عاصمة الثقافة الكردية
الموقع والطبيعة
تقع السليمانية في قلب إقليم كردستان العراق، على بُعد نحو 355 كيلومتراً شمال شرق بغداد، على ارتفاع يبلغ نحو 882 متراً فوق مستوى سطح البحر. تحيط بها سلسلة من الجبال الخلابة؛ جبال آزمار وكويزه وقيوان من الشمال الشرقي، وجبل بارانان من الجنوب، مما يمنحها مناخاً معتدلاً في الصيف وشتاءً باردًا يكسوه الثلج. هذا الموقع المتميز جعل من السليمانية وجهةً مفضلة للزوار القادمين من أنحاء العراق وخارجه طوال فصول السنة.
يُضفي سهل شهرزور الخصيب الممتد إلى الغرب من المدينة طابعاً زراعياً فريداً على المشهد، فيما تُحيط بالمنطقة أشجار البلوط وحقول السنابل الذهبية التي طالما أوحت بالجمال لشعراء المدينة وأدبائها.
التأسيس والتاريخ
أسس السليمانية في الرابع عشر من نوفمبر عام 1784 الأمير الكردي إبراهيم باشا بابان، الذي أطلق عليها اسم والده سليمان باشا، أحد أمراء إمارة بابان الكردية العريقة. سرعان ما غدت المدينة عاصمةً للإمارة وملتقىً للتجار والعلماء والشعراء، وازدهرت بازاراتها وقيصرياتها التي استقطبت الحرفيين وأصحاب الحرف من كل حدب وصوب.
عبر القرنين التاسع عشر والعشرين، شهدت السليمانية مراحل من الصمود والنهوض في مواجهة التحديات السياسية المتعاقبة. كانت حاضنةً للحركة الوطنية الكردية ومنبراً للمثقفين والشعراء الذين أثروا الأدب الكردي بأروع القصائد والمؤلفات. اليوم، وبعد مرور أكثر من 240 عاماً على تأسيسها، تنبض المدينة بالحياة وتضم ما يقارب مليون نسمة.
مدينة اليونسكو الإبداعية للأدب
تحمل السليمانية لقباً استثنائياً لا تشاركها فيه أي مدينة في المنطقة: مدينة اليونسكو الإبداعية للأدب. هذا التكريم الرفيع يعكس إرثاً أدبياً ممتداً عبر القرون، إذ أنجبت المدينة كوكبةً من أعظم شعراء الأدب الكردي السوراني، من أمثال نالي ومولوي وبيكاس وشيركو بيكاس. لا تزال روح الشعر حاضرةً في مقاهيها وأزقتها، وفي الفعاليات الثقافية والمهرجانات الأدبية التي تُقام على مدار العام.
لهذا السبب يُطلق عليها كثير من الزوار لقب «باريس العراق»؛ ليس فقط بسبب جمالها ومناخها المعتدل، بل لأجوائها الفكرية المنفتحة التي تجعلها وجهةً فريدة بين مدن المنطقة.
أبرز المعالم السياحية
يتصدر قائمة معالم السليمانية متحف أمنة سوركا (المتحف الأحمر)، وهو مبنى أمن الدولة الرهيب الذي تحول إلى فضاء للذاكرة والتوثيق. يضم المتحف قاعة المرايا المذهلة المصنوعة من 182,000 شظية زجاجية وآلاف المصابيح، وهي تُجسّد تحفةً فنية تخليداً للأرواح التي فارقت الحياة داخل هذه الجدران.
أما متحف السليمانية فهو ثاني أكبر متحف في العراق بعد المتحف الوطني في بغداد، ويحتضن مقتنيات أثرية نفيسة تعود إلى حضارات ما بين النهرين والكردية والفارسية القديمة، ومنها آثار تمتد إلى الفترة الممتدة بين 1792-1750 قبل الميلاد.
لمحبي الطبيعة، يُقدم جبل آزمار تجربة استثنائية مع تلفريك يصعد بك فوق المدينة ليهبك مناظر بانورامية ساحرة، فيما يتيح مجمع شافي لاند السياحي العملاق زيارة متحف الشمع والتمتع بأجواء ترفيهية لا مثيل لها في المنطقة.
لا يكتمل أي زيارة دون التجول في بازار السليمانية الكبير، حيث تتراص الأكشاك بالتوابل والمنسوجات الكردية التقليدية والحلويات الشرقية الشهية، وحيث تجد أمامك مقاهي الشاي التقليدية التي تدعوك للجلوس والاسترخاء على إيقاع الحياة المحلية.
الطبيعة حول المدينة
يمتد خارج المدينة عالم طبيعي بديع ينتظر المستكشفين. بحيرة دوكان، أكبر بحيرة في الإقليم، تحتضن المصطافين وهواة الرياضات المائية في أجواء ربانية الجمال. شلالات أحمد آوا تتدفق بين أحضان الطبيعة الخضراء في مشهد يسرق الأنفاس. أما كهف هزار مرد (كهف الألف رجل)، الواقع على بُعد 13 كيلومتراً فحسب من المدينة، فيفتح نافذةً على تاريخ إنساني يمتد لأكثر من 50,000 عام عبر آثاره الباليوليتية النادرة.
نصائح للزائر
أفضل وقت لزيارة السليمانية هو فصل الربيع (مارس – مايو) حين تتفتح الطبيعة وتُحتفل بمهرجان النوروز، أو الخريف (سبتمبر – نوفمبر) حين يعتدل الجو ويهدأ ازدحام الصيف. الوصول إليها ميسور عبر مطار السليمانية الدولي الذي تخدمه رحلات يومية. تُعدّ المدينة من أكثر المدن أماناً في المنطقة. العملة المتداولة هي الدينار العراقي، والنقد ضروري في الأسواق والمطاعم الشعبية.
متحف أمنة سوركا
يقف متحف أمنة سوركا، المعروف بالمتحف الأحمر، شاهداً صارخاً على مرحلة من أصعب مراحل التاريخ الكردي. تُبهر زواره قاعة المرايا الاستثنائية المصنوعة من 182,000 شظية زجاجية تُجسّد أرواح ضحايا لن تنساهم الذاكرة الجمعية. تجربة لا يمكن لأي زائر أن يغادر السليمانية دون المرور بها.
متحف السليمانية
ثاني أكبر متحف في العراق يُمسك بخيوط الحضارات المتعاقبة على هذه الأرض، من آثار بلاد الرافدين إلى التراث الكردي والفارسي القديم. تمتد مقتنياته عبر آلاف السنين لتروي قصة إنسانية متكاملة. الدخول مجاني مما يجعله من أكثر الوجهات ترحيباً بالزوار.
جبل آزمار وشافي لاند
يحتضن جبل آزمار تلفريكاً يصعد بك فوق السليمانية في رحلة بانورامية لا تُنسى. يضم مجمع شافي لاند السياحي متحف الشمع وعشرات المرافق الترفيهية التي تجعله وجهةً مثالية لكل الأعمار. في الشتاء، يكسو الثلجُ ذرى الجبل في مشهد يبهر المتأمل.
البازار الكبير
في دهاليز البازار الكبير تتراكم روائح الهيل والزعفران مع ألوان المنسوجات الكردية اليدوية والحلويات الشعبية اللذيذة. إنه تجربة حسية متكاملة تعيشها بين الأكشاك المتراصة ومقاهي الشاي العتيقة حيث يجلس السكان المحليون لتبادل الأحاديث وهم يشربون الشاي بأقداحها الزجاجية الشفافة.
اليونسكو ومدينة الأدب
تحمل السليمانية بفخر لقب مدينة اليونسكو الإبداعية للأدب، وهي الوحيدة في المنطقة التي تنال هذا الشرف. على مدى قرون، أنجبت شعراءً ومفكرين شكّلوا هوية الأدب الكردي. اليوم، تزخر المدينة بالمكتبات والمعارض الفنية والمهرجانات التي تستقطب المبدعين من العالم أجمع.