الجامع النوري الكبير
قلب المدينة العتيقة
في أزقة الموصل القديمة المتشابكة، على الضفة الغربية لنهر دجلة في محافظة نينوى، يرتفع الجامع النوري الكبير معلماً لا يُضاهى، ظلّ لقرابة تسعة قرون يرسم ملامح أفق المدينة ويستقطب المصلين والرحالة على حدٍّ سواء. يُعدّ الجامع النوري من أعرق المساجد في العراق وأغناها بالتاريخ، إذ يجمع بين روعة العمارة الإسلامية الكلاسيكية وعمق الموروث الحضاري لأقدم المدن المأهولة في العالم. اليوم، بعد إعادة بنائه وافتتاحه الرسمي في الأول من سبتمبر 2025، يفتح أبوابه مجدداً أمام الزوار ليقصّ عليهم حكاية لا تُنسى.
تُعرف المنشأة بالعربية بـالجامع النوري الكبير، وتقع في الصميم الجغرافي والروحي للموصل. الأزقة المحيطة به لا تزال تحمل بصمات الحقبة العثمانية بمبانيها الحجرية الرصينة وورشها الحرفية التقليدية، في مشهد يُجسّد روح مدينة تستعيد بكل شموخ حيويتها الآسرة.
نشأت في عهد نور الدين
يبدأ تاريخ الجامع في عامَي 1172–1173م، حين أمر نور الدين محمود بن زنكي، أتابك الزنكيين القدير الذي امتد نفوذه من الموصل حتى حلب، ببناء هذا الجامع قُبيل وفاته. سُمّي النوري تخليداً لاسمه، وضمّ الجامع في هيئته الأولى قاعة للصلاة ومدرسة ومنارة شاهقة — ثلاثة أركان من أركان الحياة المدنية الإسلامية جُمعت في رؤية معمارية واحدة. ووفق ما أورده المؤرخ ابن الأثير، أشرف نور الدين بنفسه على الموقع، وأصرّ على أن تُشترى كل بيت ودكان احتاج إليها البناء بثمن عادل دون إكراه.
كانت قاعة الصلاة تستند إلى أربعين عموداً ثمانية الأضلاع من رخام الموصل الفاخر، تتوّجها أقواس من الحجر الجيري الشفاف يُرشّح النور عبرها إلى جوف رحب وادع. وقد نُقل إلى جدار القبلة محراب من جامع الأمويين القديم في الموصل يعود إلى عام 956م، ليربط الجامع الجديد بسلسلة الموروث الإسلامي الأعمق. وعبر العهود التيمورية والعثمانية ثم الحديثة، تعاقبت على الجامع ترميمات متعددة، تركت كلٌّ منها بصمتها محافظةً على جوهر رؤية نور الدين الأصيلة.
الحدباء: منارة الموصل الأبدية
لا سمة في الجامع أشهر من منارته الحدباء. ترتفع خمسة وأربعين متراً نحو سماء الموصل، وقد شُيّدت عام 1172م مزيّنةً بسبع حزمات من الآجر المزخرف بنقوش هندسية ونباتية رفيعة، في طراز يجسّد أبرز خصائص العمارة الزنكية. اكتسبت المنارة بمرور السنين ميلاً محسوساً ناهز ثلاثة أمتار عن محورها الرأسي، فمنحها ذلك الميل طابعاً إنسانياً محبّباً جعل المواصلة يرتبطون بها وجدانياً ارتباطاً لا يُحدّ، حتى باتت رمزاً لهوية مدينتهم.
ظلّ سبب الميل مثار جدل محلي لطيف؛ فثمة من نسبه إلى الرياح الصحراوية المتربة، وآخرون أرجعوه إلى التمدد الحراري غير المتساوي للآجر في جهة الشمس. غير أن الحدباء باتت لا تنفصل عن روح الموصل بصرف النظر عن السبب، فمنحت المدينة لقبها الحبيب: الموصل الحدباء. ولقرون متطاولة، انطلق الأذان من ذلك العلو المائل الشامخ يستقبل كل فجر على دجلة.
الدمار والصمود والانبعاث
في يونيو 2014، حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي الموصل، تحوّل الجامع إلى مسرح لواحدة من أكثر اللحظات قتامة في التاريخ المعاصر حين أعلن زعيم التنظيم من منبره ما سمّاه خلافة مزعومة. بيد أن أبناء الموصل وقفوا حائط صدّ بشرياً حول الجامع ليحموه من التدنيس، في فعل من أفعال الشجاعة النادرة. وبعد ثلاث سنوات، ومع تقدم القوات العراقية لتحرير المدينة، فجّر التنظيم الجامع عمداً، فانهارت قاعة الصلاة والحدباء الراسخة معاً. استنكر العالم وهو يرى ثمانية قرون ونصف من التاريخ الحي تتهاوى في ركام.
جاء الردّ بالمثل في عظمته. في عام 2018، وقّعت اليونسكو والإمارات العربية المتحدة والحكومة العراقية اتفاقية تاريخية لإعادة إعمار الجامع ومنارته بوصفها المشروع الأبرز لمبادرة إحياء روح الموصل. جُنّد ما يزيد على 115 مليون دولار من الدعم الدولي. أزال المهندسون 115 عبوة ناسفة من الموقع قبل الشروع في العمل. انكبّ علماء الآثار على فرز الأنقاض لاستخلاص المواد الأصلية — أُعيد توثيق أكثر من 45,000 آجرة من الحدباء ودمجها في البناء الجديد. وتولّى فريق معماري مصري منتخَب من بين 123 مشاركاً دولياً قيادة الإعمار بالتعاون الوثيق مع خبراء محليين وجامعة الموصل.
في نوفمبر 2024، رُفعت العلم العراقي على قمة المنارة المعادة، إيذاناً بإتمام الأعمال الإنشائية. وفي الأول من سبتمبر 2025، ترأّس رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني حفل الافتتاح الرسمي الحافل بحضور ممثلي اليونسكو والإمارات، في احتفال أعاد البهجة إلى قلوب العراقيين في كل مكان.
كنوز ما تحت السطح
أسفر العمل عن اكتشافات مدهشة لم يُوثّقها التاريخ قط. ففي أغسطس 2021، أثناء الحفريات تحت قاعة الصلاة، كشف علماء الآثار عن أربع غرف مبنية بالحجر والجص تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي — يُرجَّح أنها كانت بيت الوضوء الأصلي في جامع نور الدين. رقدت هذه الغرف مدفونة طي الكتمان ثمانية قرون دون أن تطّلع عليها أي رواية تاريخية. واليوم تُحفظ تحت أرضية زجاجية شفافة في قاعة الصلاة، تُتيح للزوار الإطلال مباشرة على أساسات الجامع الوسيطية في مشهد آسر يجمع الحاضر بالعمق السحيق للماضي.
عُدّ الزيارة وأنت في الموصل
الجامع النوري الكبير مفتوح للزوار والمصلين في قلب الموصل القديمة، ويسهل الوصول إليه عبر الشوارع الرئيسية المؤدية إلى الضفة الغربية لدجلة. تزخر المنطقة المحيطة بمعالم تاريخية لافتة تشمل كنيسة الطاهرة ودير الساعة المُعادَين، شاهدَين على تعايش الموصل العريق بين أبناء الأديان. أفضل أوقات الزيارة بين أكتوبر ومارس حين تتلطف أجواء المدينة ويصبح المشي في أزقة المدينة القديمة متعة لا تُضاهى. يُشترط ارتداء ملابس محتشمة، ويُرحّب بغير المسلمين خارج أوقات الصلاة. سواء جئت باحثاً عن التأمل الروحي أو مبهوراً بعظمة العمارة أو مُستلهِماً دروس الصمود — فالجامع النوري لن يغادرك كما دخلته.
منارة الحدباء
شُيّدت المنارة عام 1172م وترتفع خمسة وأربعين متراً بزخارف آجرية هندسية بديعة، وقد اشتُهرت بميلها الآسر الذي منح الموصل لقبها الحبيب. أُعيد بناؤها بأكثر من 45,000 آجرة أصلية مُوثّقة بدقة، لترتفع من جديد تُعلن انتصار الحياة.
إرث نور الدين الزنكي
أسّس الجامع نور الدين محمود بن زنكي، وجسّد في معماره أرقى ما بلغته الحضارة الزنكية من تمازج بين التأثيرات السلجوقية والإسلامية الكلاسيكية. لا يزال المحراب الرخامي المنقول من الجامع الأموي القديم، والذي يعود إلى عام 956م، يُضفي على القاعة طابعاً تاريخياً لا مثيل له.
اكتشاف القرن الثاني عشر
في أغسطس 2021، أثناء أعمال الإعمار، كشف علماء الآثار عن أربع غرف حجرية دفينة منذ ثمانية قرون لم تُسجّلها أي مصادر تاريخية، يُرجَّح أنها بيت الوضوء الأصلي. تُرى اليوم من خلال أرضية زجاجية شفافة داخل قاعة الصلاة في مشهد يأخذ الأنفاس.
رمز الصمود والانبعاث
فجّر داعش الجامع عام 2017 في إجراء وصفه رئيس الوزراء العراقي بأنه إعلان هزيمة صريح. لكن المواصلة تصدّوا للتدنيس بسلاسل بشرية، وأعادت اليونسكو والإمارات والعراق بناءه بإجماع دولي نادر ليُعيد تعريف معنى الحضارة.
مبادرة إحياء روح الموصل
بتمويل إماراتي بلغ 50.4 مليون دولار، وبإشراف اليونسكو وشراكة العراق، شكّلت عملية الإعمار نموذجاً عالمياً فريداً لاسترداد الموروث الحضاري بعد الحرب. أُزيل 115 عبوة ناسفة من الموقع، وتحوّل الجامع إلى رسالة إلى العالم بأن ثقافة الإنسان أقوى من أي تطرف.