شقلاوة

عروس كردستان في قلب جبال زاغروس

فخر كردستان

في منتصف الطريق بين أربيل وأعالي جبال زاغروس، تنكشف أمامك مدينة شقلاوة فجأةً كلوحةٍ رُسمت بعناية فائقة: تلال مكسوّة بالأشجار، وبساتين التفاح والإجاص، وهواء بارد رطب يحمل عطر الأرض بعد المطر. تقع المدينة على ارتفاع 1066 متراً فوق مستوى البحر، بين جبل صفين الشامخ غرباً وجبل سورك شرقاً، على بُعد نحو 51 كيلومتراً شمال شرق مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق. لا يستغرب المرء لماذا يُطلق عليها أبناء المنطقة لقب "عروس كردستان" و"فخر كردستان" في آنٍ واحد.

شقلاوة ليست مجرد منتجع صيفي يهرب إليه الناس من حرّ السهول؛ إنها مدينة حيّة ذات شخصية متجذّرة، تختلط فيها أصوات الأسواق الشعبية بأصوات الطيور في الوديان، ويتعايش فيها المسلمون والمسيحيون الآشوريون منذ قرون في نسيج اجتماعي يضرب به المثل. زوّارها يتدفّقون في كل موسم: في الربيع حين تتفتّح الأزهار وتخضرّ التلال، وفي الصيف حين يبحث القادمون من بغداد والبصرة والخليج عن نسمة باردة، وفي الشتاء حين تكتسي الجبال بثوب أبيض من الثلج الناصع.

جذور ضاربة في التاريخ

تمتد جذور شقلاوة إلى حضارات بالغة القِدَم؛ فقد مرّت على أرضها موجات الآشوريين والبابليين ثم الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، وتركت كل حقبة بصمتها في الطابع العمراني والروحي للمدينة. في القرن السادس عشر الميلادي، أضفت إمارة سوران لمسةً استثنائية على المنطقة حين شيّدت الأميرة خانزاد - "الملكة المحاربة الكردية" - قلعتها الشهيرة على بُعد 22 كيلومتراً من أربيل على الطريق المؤدّي إلى شقلاوة. بُنيت القلعة من الحجارة والجبس وأُكملت بأربعة أبراج دائرية في زواياها، وما زالت شاهدةً حتى اليوم على شجاعة أميرة حكمت الإمارة سبع سنوات بعد رحيل أخيها.

وعلى الجانب الآخر من الوادي، يقف ضريح رابان بويا - المعروف بالشيخ وسو رحمان - شامخاً في أعالي جبل صفين، يستقطب الحجّاج من المسيحيين والمسلمين على حدٍّ سواء، مُجسّداً تلك الروح الجامعة التي طبعت شقلاوة عبر العصور.

جبل صفين: عالَم قائم بذاته

يرتفع جبل صفين إلى 1828 متراً فوق سطح البحر، ليكون الخلفية الطبيعية الهائلة لمدينة شقلاوة ومصدر سحرها الأول. تتعدد مساراته السياحية وتتنوع بحسب مستوى اللياقة، بدءاً من جولات المشي العائلية بين أشجار السنديان والحور، وصولاً إلى تسلّق الجدران الحجرية الجيرية على امتداد حافته الجنوبية الغربية. من قمته، تنكشف بانوراما مذهلة تشمل وديان شقلاوة ومشاريع المزارع المتناثرة والقرى المتمسّكة بسفوح الجبال. أما وادي الموسيقى، المختبئ في أحضان الجبل والمُسمّى هكذا لتناغم أصوات الطيور المرتفعة فيه، فيُعدّ جوهرة خفية لمن أحبّ المشي التأمّلي بعيداً عن الأصوات المدنية.

المعالم والمواقع الأثرية

لا تنضب شقلاوة من الأماكن التي تستحق الزيارة. يبدأ كثير من الزوّار بضريح رابان بويا، المزار الروحي الذي تبلغه مشياً بعد نحو ساعة من التسلّق عبر مسار يتيح لك على طول الطريق مشاهدة بانوراما الوادي كاملاً. كنيسة العذراء مريم التي أُسّست عام 1965 تمثّل قلب الحضور الآشوري في المدينة وتشهد على التاريخ المسيحي العريق في المنطقة. وعلى الطريق إلى أربيل، تنتظرك قلعة خانزاد على تلّة متوسطة الارتفاع تكتسي بثوب كلسي أبيض، يُؤطّرها أفق سهل حرير الرحيب في كل اتجاه. ولمن يُحبّ الاستكشاف خارج المسارات المعتادة، فإن قلعة دواين في الجانب الغربي من جبل سيربن تختبئ بين البساتين وتكشف عن أسرار إمارة سوران بأسلوب مختلف.

النكهات والأسواق والضيافة الكردية

لا تكتمل زيارة شقلاوة دون التجوّل في أسواقها الحميمة. الشارع الرئيسي يعجّ بمحلات العسل الجبلي - وشقلاوة مشهورة بجودة عسلها المستخلص من أزهار الزاغروس - إلى جانب محلات المكسّرات والتين والمشمش المجفّف والمُرَبّيات المصنوعة يدوياً. لا تغادر دون أن تتذوّق "المَنّ والسلوى"، ذلك الحلوى التقليدية التي يصفها الباعة بأنها تعود في أصلها إلى ما أُنزل من السماء، والتي تجدها في شقلاوة بنكهتها الأصيل. أما المطاعم المنتشرة على طرفَي الوادي فتقدّم كبة الكوردية وكباب التستي المطهو في قدر طيني مغلق والدولمة المعبّأة بالأرز والأعشاب، وكلّها مُقدَّمة في الغالب على شرفات مفتوحة تطلّ على الجبال.

التخطيط لرحلتك

أفضل أوقات زيارة شقلاوة هي الربيع من مارس حتى مايو، حين تتفتّح الأزهار وتكتسي التلال خضرتها الكاملة، والخريف بين سبتمبر ونوفمبر حين يعتدل الجوّ وتخفّ الزحمة. أما الشتاء فيمنح الزائر المتحمّس تجربة الثلج والهدوء المطلق. تُقام الرحلات من أربيل بسيارة أجرة تستغرق نحو ساعة أو بالباص من محطة القلعة. تتوفّر في شقلاوة منتجعات وفنادق وشقق سياحية تتراوح بين الميسور وعالي الجودة. احرص على ارتداء حذاء مريح إن كنت تنوي استكشاف جبل صفين، واحمل معك معطفاً حتى في الصيف إذ تبرد الليالي على الارتفاع. شقلاوة مدينة بالغة الترحيب بالزوار الأجانب، وسكانها المسلمون والمسيحيون يُجسّدون نموذجاً يُحتذى به في حُسن الضيافة.

قمة طبيعية خلّابة

جبل صفين

يرتفع جبل صفين إلى 1828 متراً فوق سطح البحر محاطاً بغابات السنديان والمسارات الجبلية. من قمته تنكشف بانوراما مذهلة تشمل شقلاوة وسهولها ووديانها الخضراء، وتشقّ مساراته طرق التسلّق والمشي على اختلاف مستوياتها.

روحانية وتعايش

ضريح رابان بويا

يتربّع ضريح رابان بويا في أعالي جبل صفين، ويُعدّ رمزاً فريداً للتسامح الديني إذ يحجّ إليه المسيحيون والمسلمون على حدٍّ سواء. يبلغه الزائر مشياً عبر مسار يمتدّ ساعة كاملة تُكافئك في نهايته بإطلالات ومشاعر روحية لا تُنسى.

إرث الأميرة المحاربة

قلعة خانزاد

شيّدت الأميرة خانزاد هذه القلعة الحجرية في القرن السادس عشر لتكون مقرّاً وحصناً لإمارة سوران الكردية. تقف على تلّة على مشارف أربيل بأبراجها الأربعة الدائرية وجدرانها الجيرية، شاهدةً على قصة امرأة حكمت وحاربت وبنت.

نكهات أصيلة

السوق الشعبي والعسل الجبلي

يزخر شارع شقلاوة الرئيسي بمحلات العسل الجبلي الشهير ومكسّرات الزاغروس والمربّيات المصنوعة يدوياً والحلويات التقليدية كالمنّ والسلوى. التجوّل في هذا السوق تجربة حسّية متكاملة تجمع الرائحة والطعم وذاكرة الأجيال.

طعام الجبل الأصيل

المطبخ الكردي

مطاعم شقلاوة تقدّم أشهى أطباق المطبخ الكردي: كباب التستي المطهو في قدر طيني، والدولمة العطرة بالأعشاب الجبلية، والكبة الكردية الذهبية. معظم المطاعم تطلّ على الجبل مباشرةً، مما يُحوّل كل وجبة إلى احتفاء بالطبيعة والهوية معاً.